فصل: الذكر والشكر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفوائد **


 فصل‏:‏ الذكر والشكر

مبنى الدين على قاعدتين‏:‏ الذكر والشكر، قال تعالى‏(‏‏(‏فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون‏)‏‏)‏‏(‏ سورة البقرة، الآية‏:‏ 152‏.‏‏)‏ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ‏(1)‏‏:‏ ‏"‏والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة ‏:‏ اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏"‏ ، وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان بل القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه ، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح‏.‏ وذلك لا يتم إلا بتوحيده‏.‏ فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه‏.‏

وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا، وهذان الأمران هما جماع الدين، فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته، وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض ووضع لأجلها الثواب والعقاب ، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ، وهي الحق الذي به خلقت السموات والأرض وما بينهما وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه، وهو ظن أعدائه به قال تعالى ‏(‏‏(‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا‏)‏‏)‏‏(‏ سورة‏:‏ ص الآية رقم ‏:‏27‏.‏‏)‏ ،وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق‏)‏‏)‏‏(‏ الدخان‏:‏ الآية رقم ‏:‏38‏.‏‏)‏‏.‏ وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية‏)‏‏)‏‏(‏ سورة الحجر ‏:‏ الآية رقم ‏:‏85‏.‏‏)‏ ، قال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس ‏:‏ ‏(‏‏(‏ ما خلق الله ذلك إلا بالحق ‏)‏‏)‏‏(‏ يونس ‏:‏ الآية رقم ‏:‏5‏.‏‏)‏‏.‏ وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏)‏‏)‏‏(‏ القيامة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏36‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏

((‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون‏)‏‏)‏‏(‏ المؤمنون ‏:‏ الآية رقم ‏:‏115‏.‏‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏)‏‏)‏‏(‏ الذارايات ‏:‏ الآية رقم ‏:‏56‏.‏‏)‏‏.‏ ‏(‏‏(‏الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما‏)‏‏)‏‏(‏ الطلاق ‏:‏ الآية رقم ‏:‏12‏.‏‏)‏ ،وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم‏)‏‏)‏‏(‏ سورة المائدة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏97)‏‏.‏ فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر أن يذكر وأن يشكر ‏.‏ يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ‏.‏ وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره، شاكر لمن شكره، فذكره سبب لذكره، وشكره سبب لزيادته من فضله‏(2)‏‏.‏ فالذكر للقلب واللسان ، والشكر للقلب محبة وإنابة ، وللسان ثناء وحمد، وللجوارح طاعة وخدمة‏.‏

 فصل‏:‏ الهداية تجر الهداية والضلال يجر الضلال

تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية والإضلال فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه والمؤثر لأثره، وكذلك الضلال، فأعمال البر تثمر الهدى، وكلما ازداد منها ازداد هدى، وأعمال الفجور بالضد، وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء‏.‏

وأيضا فإنه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر ، ويبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور، فمن الأصل قوله تعالى ‏:‏ ‏(‏ الم ‏.‏ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ‏)‏ ‏(‏البقرة ‏:‏ 1-2 ‏.‏ ‏)‏ وهذا يتضمن أمرين ‏:‏

أحدهما ‏:‏ أنه يهدي به من اتقى مساخطه قبل نزول الكتاب ‏.‏ فإن الناس على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه يكره الظلم والفواحش والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك ، ويحب العدل والإحسان والجود والصدق والإصلاح في الأرض ويحب فاعل ذلك ، فلما نزل الكتاب أثاب سبحانه أهل البر بأن وفقهم للإيمان به جزاء لهم على برهم وطاعتهم ، وخذل أهل الفجور والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به ‏.‏

 مراتب الهداية

والأمر الثاني ‏:‏ أن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره ، كان ذلك لهداية أخرى تحصل له على التفصيل ‏.‏ فإن الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ‏.‏ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية ‏.‏ فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى ، فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى ، وكلما فوَّت حظا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه ، فكلما اتقى زاد هداه ، وكلما اهتدى زادت تقواه ‏.‏ قال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ‏)‏‏)‏ ‏(‏سورة المائدة ، الآية 15 - 16 ‏.‏‏)‏وقال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏ الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ‏)‏ ‏(‏الشورى ‏:‏ 13 ‏.‏‏)‏‏.‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ سيذكر من يخشى ‏)‏‏)‏ ‏(‏الأعلى ‏:‏ 10 ‏.‏‏)‏، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ وما يتذكر إلا من ينيب‏)‏‏)‏ ‏(‏غافر ‏:‏ 13 ‏.‏ ‏)‏، وقال ‏:‏ ‏((‏ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ‏)‏‏)‏‏(‏ سورة يونس ، الآية 9 ‏.‏‏)‏

فهداهم أولا للإيمان ، فلما آمنوا هداهم للإيمان هداية بعد هداية، ونظير هذا قوله تعالى ‏(‏‏(‏ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ‏)‏‏)‏ ‏(‏مريم ‏:‏ 76 ‏.‏ ‏)‏، وقوله تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ‏)‏‏)‏ ‏(‏الأنفال ‏:‏ 29 ‏.‏ ‏)‏، ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل والنصر والعز الذي يتمكنون به من إقامة الحق وكسر الباطل ، فسر القرآن بهذا وبهذا ‏.‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ‏)‏‏)‏ ‏(‏سبأ ‏:‏ 9 ‏.‏‏)‏ وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور‏)‏‏)‏ ‏(‏سبأ ‏:‏ 19 ‏.‏‏)‏ في سورة لقمان وسورة إبراهيم وسبأ والشورى ‏.‏

فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر ، كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه ، وأنها إنما يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ طه ‏.‏ ما أنزلنا القرآن لتشقى‏.‏ إلا تذكرة لمن يخشى‏)‏‏)‏ ‏(‏طه ‏:‏ 1-3 ‏.‏‏)‏، وقال في الساعة ‏:‏ ‏(‏‏(‏ إنما أنت منذر من يخشاها‏)‏‏)‏‏(‏ النازعات ‏:‏ 45 ‏.‏‏)‏‏.‏

وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية ‏.‏ لهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي ، قال بعد ذلك ‏:‏ ‏(‏‏(‏ إن في ذلك لآيات لمن خاف عذاب الآخرة ‏)‏‏)‏ ‏(‏سورة هود ، الآية 27 ‏.‏‏)‏ فأخبر أن في عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة ‏.‏

وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها يكون ذلك عبرة وآية في حقه ، وإذا سمع ذلك قال ‏:‏ لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوة ‏.‏ وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية ‏.‏ وإنما كان الصبر والشكر سببا لانتفاع صاحبها بالآيات ؛ لأن الأيمان ينبني على الصبر والشكر ، فنصفه صبر ونصفه شكر ، فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه ‏.‏ وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله وآياته ، ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر ، فإن رأس الشكر التوحيد ، ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى ‏.‏ فإذا كان مشركا متبعا هواه لم يكن صابرا ولا شكورا ، فلا تكون الآيات نافعة له ولا مؤثرة فيه إيمانا ‏.‏

 فصل

وأما الأصل الثاني ‏:‏ وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير أيضا في القرآن كقوله تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ‏)‏‏)‏ ‏(‏البقرة ‏:‏ 26 - 27 ‏.‏ ‏)‏، وقال تعالى ‏(‏‏(‏ يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ‏)‏‏)‏ ‏(‏سورة إبراهيم ، الآية 27 ‏.‏‏)‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ‏)‏‏)‏ ‏(‏النساء ‏:‏ 88 ‏.‏‏)‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ وقالوا قلوبهم غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ‏)‏‏)‏‏(‏ البقرة ‏:‏ 88 ‏.‏‏)‏ ، وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة‏)‏‏)‏ ‏(‏الأنعام ‏:‏ 110 ‏.‏‏)‏‏.‏

فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لمن جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان، كما قال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ‏)‏‏)‏ ‏(‏الأنفال ‏:‏ 24 ‏.‏‏)‏ فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتهم ، ثم حذرهم من التخلف والتأخر عن الاستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم‏.‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏فلما أزاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين‏)‏‏)‏‏(‏ الصف ‏:‏ 5‏.‏‏)‏‏.‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏)‏‏)‏‏(‏ المطففين‏:‏ 24‏.‏‏)‏

فأخبر سبحانه أن كسبهم غطى على قلوبهم وحال بينها وبين الإيمان بآياته ، فقالوا أساطير الأولين‏.‏

وقال تعالى في المنافقين ‏:‏ ‏(‏‏(‏نسوا الله فنسيهم‏)‏‏)‏ ‏(‏سورة التوبة ‏:‏ 67‏.‏‏)‏، فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة ، وأخبر أنه أنساهم أنفسهم فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق‏.‏ فأنساهم طلب ذلك ومحبته ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له وقال تعالى في حقهم‏:‏ ‏(‏‏(‏أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم‏.‏ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ‏)‏‏)‏‏(‏ محمد ‏:‏ 16-17‏.‏‏)‏‏.‏ فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما جمع للمهتدين بين التقوى والهدى‏.‏

 فصل‏:‏ الهدى قرين الرحمة والضلال قرين الشقاء

وكما يقرن سبحانه بين الهدى والتقى والضلال والغي، فكذلك يقرن بين الهدى والرحمة والضلال والشقاء ، فمن الأول قوله ‏:‏ ‏(‏‏(‏أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون‏)‏‏)‏‏(‏ البقرة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 5‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون‏)‏‏)‏‏(‏ البقرة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 157‏)‏‏.‏ وقال عن المؤمنين‏:‏ ‏(‏‏(‏ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب‏)‏‏)‏‏(‏ آل عمران ‏:‏ الآية رقم ‏:‏8‏.‏‏)‏ ، وقال أهل الكهف‏:‏ ‏(‏‏(‏ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا‏)‏‏)‏‏(‏ الكهف‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 10‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏)‏‏)‏‏(‏ سورة يوسف ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 111‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏)‏‏)‏‏(‏ النحل ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 64‏.‏‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين‏)‏‏)‏‏(‏ النحل‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 89‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ورحمة للمؤمنين‏)‏‏)‏‏(‏ يونس ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 57‏.‏‏)‏ ، ثم أعاد سبحانه ذكرهما فقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا‏)‏‏)‏‏(‏ يونس ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 58‏)‏‏.‏

وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة ، والصحيح أنهما الهدى والنعمة ، ففضله هداه ، ورحمته نعمته ، ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة كقوله في سورة الفاتحة‏:‏ ‏(‏‏(‏اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم‏)‏‏)‏‏(‏ الفاتحة‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 6‏.‏‏)‏‏.‏

ومن ذلك قوله لنبيه يذكره بنعمه عليه‏:‏ ‏(‏‏(‏ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى‏)‏‏)‏‏(‏ الضحى ‏:‏ الآية رقم ‏:‏‏(‏6، 7، 8‏)‏‏.‏‏)‏ فجمع له بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه‏.‏ ومن ذلك قول نوح‏:‏ ‏(‏‏(‏يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده‏)‏‏)‏‏(‏ هود ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 28‏.‏‏)‏ ، ‏:‏ وقول شعيب ‏:‏ ‏(‏‏(‏ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا‏)‏‏)‏‏(‏ هود ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 88‏.‏‏)‏ ، وقال عن الخضر‏:‏ ‏(‏‏(‏فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏)‏‏)‏‏(‏ الكهف ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 65‏.‏‏)‏ ، وقال لرسوله‏:‏ ‏(‏‏(‏إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا عزيزا‏)‏‏)‏‏(‏ الفتح ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏1، 2، 3‏)‏‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما‏)‏‏)‏‏(‏ النساء ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 113‏.‏‏)‏ ، وقال ‏(‏‏(‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا‏)‏‏)‏‏(‏ النور ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 21‏.‏‏)‏ ، ففضله هدايته ورحمته إنعامه وإحسانه إليهم وبره بهم‏.‏ وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى‏)‏‏)‏‏(‏ طه ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 123‏.‏‏)‏ ، والهدى منعة من الضلال، والرحمة منعة من الشقاء ، وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏طه ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏)‏‏)‏‏(‏ طه ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 1‏.‏‏)‏ ، فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفي الشقاء عنه، كما قال في آخرها في حق أتباعه‏:‏ ‏(‏‏(‏فلا يضل ولا يشقى‏)‏‏)‏‏.‏

فالهدى والفضل والنعمة والرحمة متلازمان لا ينفك بعضهما عن بعض ، كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، قال تعالى‏:‏‏(‏‏(‏إن المجرمين في ضلال وسعر‏)‏‏)‏‏(‏ القمر ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 47‏.‏‏)‏ ، والسعر‏:‏ جمع سعير ، وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء ، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون‏)‏‏)‏‏(‏ الأعراف ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 179‏.‏‏)‏ ، وقال تعالى عنهم‏:‏ ‏(‏‏(‏وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير‏)‏‏)‏‏(‏ الملك ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 10‏.‏‏)‏‏.‏

ومن هذا أنه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك ، قال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا‏)‏‏)‏‏(‏ الأنعام ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 125‏.‏‏)‏ وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏)‏‏)‏‏(‏ الزمر ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 22‏.‏‏)‏ ، وكذلك يجمع بين الهدى والإنابة وبين الضلال وقسوة القلب ، قال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب‏)‏‏)‏‏(‏ الشورى ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 13‏.‏‏)‏ ، وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين‏)‏‏)‏‏(‏ الزمر ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 22‏.‏‏)‏‏.‏

 فصل‏:‏ العطاء والمنع

والهدى والرحمة وتوابعهما من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء، والإضلال والعذاب وتوابعهما من صفة المنع، وهو سبحانه يصرف خلقه بين عطائه ومنعه وذلك كله صادر عن حكمة بالغة، وملك تام، وحمد تام ، فلا إله إلا الله ‏.‏

 فصل‏:‏ العاقل لا يتعلق بالعالم السفلي

إذا رأيت النفوس المبطلة الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشأن قد تشبث بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها إليه، فإنه اللائق بها لفساد تركيبها ولا تنقش عليها ذلك فإنه سريع الانحلال عنها ويبقى تشبثها به مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلق ، فتبقى شهوتها وإرادتها فيها‏.‏ وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها ‏.‏ فلو تصور العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر إلى قطع هذا التعلق كما يبادر إلى حسم مواد الفساد ، ومع هذا فإنه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه متعلق بالمطلب الأعلى والله المستعان‏.‏

 فصل‏:‏ مفاسد الكذب

إياك والكذب فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس ، فإن الكذب يصور المعدوم موجودا والموجود معدوما ، والحق باطلا والباطل حقا، والخير شرا والشر خيراً، فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له‏.‏ ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد عليه تصوره وعلمه ‏.‏ ونفس الكاذب معرضة عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم مؤثرة للباطل‏.‏ وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل فعل إرادي فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها فصار صدورها عنه كمصدر الكذب عن اللسان، فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله‏.‏

ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار‏"‏‏(3)(‏ورد الحديث في البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي بألفاظ مختلفة ، ولفظه عند مالك‏:‏ إن عبد الله بن مسعود كان يقول‏:‏ ‏"‏عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ألا ترى أنه يقال ‏:‏ صدق وبر ، وكذب وفجر‏"‏‏.‏ ‏(‏الموطأ - الحديث 1814- طبعة دار النفائس‏)‏‏.‏‏)‏‏.‏ وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله ، فيعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم يتدراكه الله بدواء الصدق يقلع المادة من أصلها‏.‏

ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب ، فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق ‏.‏ وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب‏.‏ والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏)‏‏)‏‏(‏ سورة التوبة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏‏(‏119‏)‏‏.‏‏)‏ ، وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم‏)‏‏)‏‏(‏ المائدة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏119‏)‏‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم‏)‏‏)‏‏(‏ محمد ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏21‏)‏‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم‏)‏‏)‏‏(‏ التوبة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏90‏)‏‏.‏‏)‏‏.‏

 فصل‏:‏ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم

في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏)‏‏)‏‏(‏ البقرة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏216‏)‏‏.‏‏)‏

في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد ، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب ، والمحبوب قد يأتي بالمكروه ، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعاقب ، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد ‏(‏و‏)‏ أوجب له ذلك أمورا‏:‏

منها‏:‏ أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء؛ لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح ، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه، فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب ، وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل ، فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور من الغابات المحمودة والمذمومة‏.‏ فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل ، فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفض إلى العافية والشفاء ، وكلما نهاه كرهه مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول‏.‏ ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤمل عند الغاية ، فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك ، وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة‏.‏

ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التعويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة‏.‏

ومنها ‏:‏ أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم ، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم ، فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك‏.‏

ومنها‏:‏ أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه ، بما يختاره هو لنفسه ‏.‏

ومنها‏:‏ أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى ، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه ، ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره ، ولطفه يهون عليه ما قدره‏.‏

إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة ، فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف‏.‏

 فصل

لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي ، وتيقن أنه الله ومن الله وبالله فهو المانُّ ‏(4)‏ به ابتداء وإدامة بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه ، فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرا ألبتة، وأن الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له النعم ذلا وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه‏.‏ فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء ، وهذا نتيجة علمين شريفين ‏:‏ علمه بربه وكماله وبره وغناء وجودة وإحسانه ورحمته، وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتي منه من يشاء ويمنع منه من يشاء ، وله الحمد على هذا ، وهذا أكمل حمد وأتمه ‏.‏ وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها، وأنها لا خير فيها ألبتة ولا لها ولا بها ولا منها وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص ، فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس لها ولا بها‏.‏ فإذا صار هذان العلمان صبغة لها لا صبغة على لسانها علمت حينئذ أن الحمد كله لله والأمر كله والخير كله في يديه، وأنه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها ، وأنها هي أولى بالذم والعيب واللوم‏.‏ ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له إلى الله‏.‏ فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا، وانقطاعه بفواتهما‏.‏ وهذا معنى قولهم‏:‏ من عرف نفسه عرف ربه، فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم، عرف ربه بضد ذلك فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله، وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده، وكان أحب شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له، وهذا هو حقيقة العبودية، والله المستعان‏.‏

ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته ‏:‏ إنه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ، فمن كان كذلك فليدخل وإلا فليرجع حتى يكون بهذه الصفة‏.‏

 فصل‏:‏ مساوئ الشهوات

الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة ، فإنها إما أن توجب ألما وعقوبة ، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة ، وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه ، وإما أن تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه ، وإما أن تضيع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه ، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة ، وإما أن تشمت عدوا وتحزن وليا وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول ، فإن الأعمال تورث للصفات والأخلاق‏.‏

 فصل‏:‏ حدود الأخلاق

للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا، ومتى قصرت عنه كان نقصا ومهانة ‏:‏

فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص ، وهذا كماله، فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار، وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل‏.‏

وللحرص حد وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها، فمتى نقص تعدى ذلك صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه، ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس ‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏لا حسد إلا في اثنتين ‏:‏ رجل آتاه الله مالا فسلطة على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس‏"‏‏(5)(‏رواه أحمد بن حنبل والبخاري ولفظه عند البخاري في باب التمني‏:‏ ‏"‏لا تحاسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن ، فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول‏:‏ لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل‏:‏ ورجل آتاه الله مالا ينفقه في حقه فيقول ‏:‏ لو أوتيت ، مثل ما أوتي لفعلت كما يفعل‏"‏‏.‏‏)‏، فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود‏.‏

وللشهوة حد وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك، فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوان ، ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة‏.‏

وللراحة حد وهو إجماع النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها، فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا وإضاعة وفات به أكثر مصالح العبد، ومتى نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبتِّ الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى‏.‏

والجود له حد بين طرفين ، فمتى جاوز حده صار إسرافا وتبذيرا‏.‏ ومتى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا‏.‏

وللشجاعة حد متى جاوزته صارت تهوراً، ومتى نقصت عنه صارت جبنا وخوراً، وحدها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجام، كما قال معاوية لعمرو بن العاص‏:‏ أعياني أن أعرف أشجاع أنت أم جبان تقدم حتى أقول من أشجع الناس، وتجبن حتى أقول من أجبن الناس، فقال‏:‏

شجاع إذا أمكنتني فرصة ** فإن لم تكن لي فرصة فجبان

والغيرة لها حد إذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئاً بالبريء، وإذا قصرت عنه كانت تغافلاً ومبادئ دياثة‏.‏

وللتواضع حد إذا جاوزه كان ذلا ومهانة، ومتى قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر‏.‏

وللعز حد إذا جاوزه كان كبراً وخلقاً مذموماً، وإن قصر عنه انحرف إلى الذل والمهانة‏.‏

 خير الأمور الوسط

وضابط هذا كله العدل، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به، فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك، وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك، إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا‏.‏

فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي ‏.‏ فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخل فيها ‏.‏ قال تعالى‏:‏‏(‏‏(‏الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله‏)‏‏)‏ ‏(‏سورة التوبة ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏97‏)‏‏.‏ فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا، وبالله التوفيق‏.‏